الدوامة الصحراوية الفانية رواية شيقة

 الدوامة الصحراوية الفانية رواية شيقة

     الدوامة الصحراوية الفانية رواية شيقة


    كان ثلاثة رجال يسافرون في الصحراء الخالية القاحلة، وقد تعبوا كثيرا من المسير وتعجبوا لماذا هذه الصحراء لا نهاية لها، وهم قد سبق لهم أن عبروها ووبلغوا نهايتها وهي مدينة كبيرة كثيرة الماء والأشجار، لكنهم هذه المرة مشوا كثيرا تحت الشمس الحارقة والصحراء لا تريد أن تنتهي، وبينهما هم على تلك الحال، إذ وجدوا رجلا مستلقيا على رمال الصحراء يكاد يموت عطشا، فقال لهم: لا تتعبوا أنفسكم، سنموت جميعنا من العطش! لقد دخلنا في متاهة مفرغة، لقد خرجنا من العالم، ودخلنا في عالم آخر مواز، والصحراء لن تنتهي أبدا لأننا ندور فقط في مكان واحد!
    فقال له أحد الرجال: ولكن هذا مستحيل.
    وقال الرجل الثاني: لا تهتموا بما يقول، إنه يحتضر، وقد أصابته ضربة شمس فأصبح لا يعي ما يقول.
    وقرر الرجال الثلاثة مواصلة الطريق، وبينما هم ينطلقون، قال لهم الرجل: ألم تلاحظوا أنكم تمشون طويلا طويلا ولا يحل الليل؟ إن الشمس متوقفة في مكانها!
    فقال أحد الرجال: إنه الزمن النفسي، لقد شعرنا بأننا مشينا كثيرا كثيرا، ولكن الساعة الآن قد تكون الثالثة زوالا، وقريبا سيأتي المغيب، فلا تهتموا بكلام هذا الرجل المريض.
    وواصلوا طريقهم، فسمعوا وراءهم صيحة ألم، فالتفتوا إلى الرجل، فوجدوا النسور قد نزلت إليه تفترسه حيا، وكان يصيح ويقول: لكي لا تواجهوا مصيرا مثل مصيري يجب عليكم أن تجدوا الصندوق الغريب فوق نخل قريب.
    فتعجب الرجال الثلاثة من كلام الرجل، ومات الرجل تحت مخالب النسور الجائعة، واستمر الرجال في طريقهم، وكأنهم بدأووا يصدقون كلام الرجل، فقد طال بهم المسير كثيرا كثيرا، والشمس في مكانها لا تزداد إلا توهجا وشدة، وقد بدأ الماء الذي عندهم ينفد، فقال أحدهم: يجب أن نبحث عن الصندوق الغريب!
    فقال الثاني: وأين نجده؟ فقال الرجل الثالث: لقد قال لنا إننا سنجده فوق نخل قريب.
    فأداروا عيونهم وقال أحدهم: لقد سرنا طويلا ولم نجد أي نخل لا قريب ولا بعيد!
    فصاح الآخر: انظروا! ثلاث نخلات!
    ففرح الرجال، وساروا نحو النخلات الثلاث، فلما بلغوها شاهدوا الصندوق فوق النخلة الوسطى، فتكلمت النخلة وقالت لهم: هذا الذي عندي هو الصندوق الغريب، وهو سهل الفتح، وإذا فتحتموه تجدون فيه الشيء العجيب الذي يخرجكم من هذه الدوامة الصحراوية القاتلة، ويرجعكم إلى عالمكم سالمين آمنين غانمين مطمئنين.
    فتقدم أقوى الرجال وأشجعهم، وأخذ يتسلق النخلة ببراعة، حتى بلغ أعلاها فحمل الصندوق الغريب ونزل إلى أصحابه.
    فقال أحدهم: ما العمل الآن؟
    قال الثاني: يجب الآن فتح الصندوق الغريب، لأخذ الشيء العجيب، الذي سينقذنا من الدوامة الصحراوية القاتلة، ويرجعنا إلى عالمنا الذي جئنا منه.
    فأخذ الرجال يحاولون فتح الصندوق الغريب، فسمعوا صوت ضحك رقيق قادما من الأعلى، فرفعوا رؤوسهم، فوجدوا طائر ببغاء يضحك منهم، فقال له أحدهم: لماذا تضحك أيها الببغاء؟
    فقال الببغاء: إذا أردتم فتح الصندوق الغريب يجب عليكم استعمال المفتاح العجيب!
    فسأله أحد الرجال: وأين نجد المفتاح العجيب، لنفتح به الصندوق الغريب؟
    فقال الببغاء: تجدونه في قاع البئر القريب.
    وحلق الببغاء بعيدا. وها هم الرجال الثلاثة يجدون السير بحثا عن البئر القريب، لاستخراج المفتاح العجيب، لفتح الصندوق الغريب.
    وطالت بهم الطريق، وفي طريقهم جاءهم طائر فريد وأخد يحلق ويدور فوق رؤوسهم، فقال له أحدهم: ماذا تريد أيها الطائر؟ فقال الطائر الفريد: لن تجدوا البئر القريب، حتى تسمعوا كلمة الرجل الحكيم. وتعجب الرجال، فواصل الطائر كلامه قائلا: إن الرجل الحكيم رجل يجلس تحت الشجرة الظليلة لا يتحرك ولا يتكلم ولا ينطق أبدا، لكنه يقول كلمة واحدة كل عام، وقد اقترب الموعد الذي يقول فيه كلمة هذا العام، فابحثوا عنه واسمعوا الكلمة، لأنها ستفيدكم بالحكمة الكبيرة التي تحملها.
    ثم حلق الطائر بعيدا وغاب في الأفق. فواصل الرجال سيرهم، فصاح أحدهم وهو يشير إلى البعيد: أليست تلك الشجرة الظليلة؟ فقال آخر: نعم إنني أراها، ويجلس تحتها الرجل الحكيم صامتا!
    ولما اقتربوا من الرجل الحكيم، كان يجلس صامتا يحدق في الأمام، لا يتحرك ولا يتكلم، وبعد قليل بدأ ينفعل ويضطرب ويستعد ليقول كلمة هذه السنة، فهو يقول كلمة واحدة كل عام.
    اضطرب الرجل واهتز، ثم قال: الشمس.
    ثم صمت. عرف الرجال الثلاثة كلمة هذه السنة وسمعوها، وفكروا قليلا وتشاوروا فيما بينهم، فقرروا أن يواصلوا الطريق بحثا عن البئر القريب.
    وبعد مشي طويل، صاح أحد الرجال: البئر!
    فأسرعوا في مشيهم نحو البئر، فلما وصلوا إليه وجدوه بئرا جافا لا ماء فيه، فأطل أكثرهم جرأة على قاع البئر، فلم ير سوى الظلام.
    وهناك سمعوا صوتا مخيفا قادما من قاع البئر: ماذا تريدون أيها الرجال؟
    قالوا: نريد المفتاح العجيب!
    فقال الصوت: أنتم إذن تائهون عن عالمكم، وجئتم إلى البئر القريب تريدون المفتاح العجيب، لفتح الصندوق الغريب، أليس كذلك؟
    قالوا: نعم. قال: أنا أعطيكم المفتاح العجيب، ها هو ذا في يدي، ولكن شريطة أن تساعدوني على الخروج من هذا البئر اللعين.
    قالوا: نعم نساعدك، ولكن أخبرنا من أنت؟
    قال: أنا الشبح الرهيب. قالوا: وما قصتك أيها الشبح الرهيب؟ قال: قصتي طويلة، وأنا الآن مسجون في قاع هذا البئر، فساعدوني على الخروج، وها هو المفتاح العجيب في يدي.
    فقالوا: وهل أنت أيضا تريد العودة معنا إلى عالمنا؟ فقال: أنا بشر مثلكم، واسمي سالم بن حبيب، ولكن أشباح الصحراء مسختني هكذا، لأنني تهت طويلا في الدوامة الصحراوية القاتلة، وألقت بي في هذا الجب، وإذا خرجت من البئر، بطل عني السحر، وحينها نعود جميعها إلى عالمنا، بعد فتح الصندوق الغريب، وامتلاك الشيء العجيب الموجود داخله. 
    فتشاور الرجال الثلاثة فيما بينهم، ثم اقتنعوا بكلام الشبح الرهيب، وقرروا إخراجه من البئر لمساعدتهم على العودة إلى العالم.
    فألقوا إليه حبلا، فتمسك به، ورفعوه إلى أعلى، فلما خرج من البئر أظلمت الدنيا وغابت الشمس ولم يعد الرجال يرون سوى الظلام الحالك.
    بعد أن خرج الشبح الرهيب، من البئر القريب، وفي يده المفتاح العجيب، الذي يفتح الصندوق الغريب، أظلمت الدنيا ثم أضاءت وتحول في الحال إلى رجل مهيب، وقال للرجال الثلاثة: إنني أشكركم كثيرا على إنقاذي من هذا السجن المظلم، وها هو المفتاح في يدي، فقد جئت هنا أبحث عنه، فكان مصيري هو السجن في هذه البئر الجافة، والآن نحن أربعة رجال، ويجب علينا أن نحترس قبل فتح الصندوق بهذا المفتاح، لأن في هذا المكان طائر صغير يحوم في السماء وينفذ ما تأمره به الأشباح السوداء. 
    قال أحد الرجال: وبماذا تأمره الأشباح السوداء؟ 
    قال: إنها تأمره بأن يغافل كل من يريد فتح الصندوق ويحوم فوق رأسه ويدفعه في هذا البئر اللعين، ويجب علينا أن نقسم الأدوار، واحد منا يراقب الشرق والغرب، وواحد يراقب الجنوب والشمال، والثالث يراقب السماء، والرابع يفتح الصندوق. 
    وذلك ما فعلوه حقا، وانفتح الصندوق، وأطلوا برؤوسهم لرؤية الشيء العجيب داخل الصندوق الغريب، وفي تلك اللحظة غافلهم طائر ودفعهم بجناحيه فوقعوا أربعتهم داخل الجب المظلم وقد تحولوا إلى أشباح سوداء. 
    أما الطائر فقد أعاد إغلاق الصندوق العجيب وحمله بمخالبه إلى النخل القريب ووضعه بأعلى النخلة الوسطى وعلق المفتاح العجيب على جريد النخلة اليمنى. 
    وقال أحد الرجال الثلاثة في الظلام: لا أرى سوى الظلام. 
    قال الرجل الثاني: يلوح لي في الأعلى ضوء. 
    قال الرجل الثالث: لكن أين صاحبنا الرجل الذي كان في البئر؟ 
    أجاب الأول: أسمع صوتا يتكلم قريبا منا. 
    كان الصوت يقول: إن هذه الصحراء حارة جدا! هل لديكم ماء؟؟ 
    فتح الرجل الأول عينيه فوجد نفسه مستلقيا في رمال الصحراء ورفيقاه قريبان منه، وغير بعيد عنهم رجل يئن على الرمال من شدة العطش. 
    قال الرجل الثاني: لدينا كمية محدودة من الماء. 
    قال الرجل الثالث: أنا أوافق أن نعطي هذا الرجل بعض ما لدينا من الماء. 
    أخذ الرجل يزحف نحوهم من شدة العطش، فرأى لديهم قربة ماء فأخذها وشرب منها، فاستعاد بعض صحته، فقام وأخذ ينظر إليهم فإذا هم قد أصابتهم ضربة شمس، فأخذ يمسح جبين كل واحد منهم بالماء، وقال لهم: لقد تكلمت معكم بالأمس عن عطشي الشديد ورغبتي في بعض الماء، لكنكم كنتم قد غبتم عن وعيكم. وأنا أشكركم جزيل الشكر على هذا الماء فقد كدت أموت عطشا في هذه الصحراء. 
    كان الوقت فجرا، وعند طلوع الشمس استعاد الرجال بعض عافيتهم، وقرروا جميعا مواصلة طريقهم في تلك الصحراء الحارة نحو المدينة.
    repair tv
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الشعر والروايات .

    إرسال تعليق