قصة أحلام فرح

قصة أحلام فرح

    في إحدى القرى كانت هناك فتاة تسمى فرح تدرس بإحدى المدارس  القريبة من بيتها،
    ولحسن حظ هذه الفتاة أن المدرسة لم تكن تبعد عن سكناها إلا بدقائق من المشي ، كانت بالنسبة لها فرصة
     سانحة أبعدتها عن المشي لساعات  في طريق غير معبدة وما يرافق ذلك من معاناة كما هو حال رفيقاتها بالمدرسة،
    كانت مجتهدة ولا تدخر وسعا في إثبات ذاتها في مجال الجد والتحصيل رغم صغر
     سنها، كان لها أخ يصغرها تجد فيه  المعين والمساعد في كل ما يعترضها من صعاب رغم صغر سنه ،
    كانت تلجأ إليه وهي تعرف أنه لن يبخل عليها بمد يد العون
    كان رأس السنة الميلادية قد اقترب وهو ما دعاهم بالاشتراك مع والدهم وزوجة أبيهم
    أن يهيئوا مستلزمات حفلة استقبال السنة الجديدة
    بطريقتهم المتواضعة والبسيطة ، كانت المسكينة فقدت أمها
    في حادث سير مؤلم حين كانت ما زالت صغيرة ، تدخلت يد القدر ونجت بأعجوبة ، لا تتذكر شيئا عن الحادثة ،
    وكل ما تتكلم عنه اليوم أو ترويه حول الموضوع ما هو إلا حكايات سمعتها من والدها
    ومن أفراد عائلتها الكبيرة.
    كانت فرح فتاة قروية تحمل كل مقومات القروية البريئة التي تعيش وسط أسرة صغيرة مع مواشيهم التي ألفتهم وألفوها،
     كانت تجلس وحدها في الفصل، لم يكن عدد التلاميذ كبيرا وهو ما أتاح
     للتلاميذ أن ينفردوا بالجلوس فرادى إن أرادوا ، فالمعلم لم يكن أمر الجلوس مثنى مثنى
     يهمه بقدر ما كان يهمه الانضباط داخل الفصل والاجتهاد ،
    لم يكن لها صديقات يذكرن ، كانت  جميلة رغم
     بداوتها ولباسها العادي ، كانت تحس أنها محسودة على الجمال الذي منحه إياها الله سبحانه وتعالى،
     كانت تشعر في قرار نفسها أن رفيقاتها يغرن منها ،
    كانت تجد المتعة في مصاحبة أحد التلاميذ
     خلال فسحة الاستراحة ، كانت تحن دائما لكل فترة استراحة ، كانوا ببراءة الأطفال يتكلمون في أشياء تهم عالم الصغار البريء ،
     وكان التلميذ هو الآخر يجد نفس الإحساس وهما يتمشيان خلال هذه
     الفسحة ويتجولان داخل ساحة المدرسة.
    في إحدى الأيام عادت من مدرستها وهي فرحة بما عاشته من لحظات جميلة داخل الفصل وخارجه حين بادرتها زوجة أبيها بالمناداة عليها :
    - فرح
    - لقد قررنا أن لا تعودي إلى المدرسة مرة أخرى
    - لماذا ؟
    - ألي تعلمين ما يعانيه أخوك من تعب ومعاناة في العناية بالمواشي، لقد كبرت وأصبح من اللازم عليك أن ترعاهم والاعتناء بهم رفقة أخيك ،
    لم يعد وحده باستطاعته أن يرعاهم.- ولكنني أحب الذهاب إلى المدرسة، وأيضا متفوقة في دراستي، الأستاذ يشهد لي بهذا

    - لن تذهبي منذ اليوم ، انتهيا ، هيا اصمتي
    دخلت فرح إلى غرفتها وهي تبكي بكاء حارا ، آلمها أن تنقطع عن الدراسة وهي على مشارف نهاية السنة الدراسية ،
     كانت في خلوتها مع نفسها وقبل النوم تسبح في عالمها الخاص وهي تتخيل
    نفسها طبيبة جراحة ، أيضيع كل شئ منها ؟ ترى ماذا دعا والدها وزوجته لاتخاذ قرار مثل هذا ؟
    عاد أبوها من العمل في الحقل والتعب ظاهر على محياه ، سأل عن فرح أجابته زوجته أنها في غرفتها
     وأخبرته أنها قالت لها أنه كان اليوم الأخير لها في المدرسة ،
    تفاجأ من كلامها المباشر من
    الطفلة الصغيرة ، لم يكن القرار قراره ولكن كان يتمنى أن يمهد لها الطريق قصد إخبارها ، لم يكن ينوي أن يفاجئها أو بالأحرى أن يصدمها ،
    ولكن ما وقع وقع ورأى أنه من الواجب عليه أن يطيب
    بخاطرها عله  ينفس عنها ولو نسبيا ، وجدها في حالة سيئة للغاية ، كانت تبكي وبحرقة قال لها :
    - ابنتي لم تكن هذه رغبتي أن أبعدك عن المدرسة، ولكن الحال ليس هو الحال ،
    وما باليد حيلة وعموما فأنت الآن تعلمت القراءة والكتابة وبإمكانك أن تقرئي أي كتاب.
    صباح الغد وفي أول يوم لها بعيدا عن المدرسة وساحتها ارتدت على غير عادتها فستانها البسيط الأخضر أخرجت خرفانها إلى الحقول المجاورة لبيتها ،
    وفي طريقها عاينت زميلاتها اللائي كن معها
     في الفصل ، أحست بإحساس غريب يجتاحها ،آلمها حالها ، ولكن ما باستطاعتها أن تفعل ، إنه القدر ،
     ولتترك الحياة تسير وفق الناموس الذي خططه له قدرها ، على كل حال ليست نهاية العالم ، قد
    يكون الله يخبئ لها ما هو أفضل .
    مر بالقرب منها مراد فبادرها بالسؤال :
    - فرح ماذا تفعلين ؟
    - كما ترى أرعى الغنم
    - ألن تعودي إلى المدرسة ؟
    - لا لن أعود، لقد قرروا منعي من الذهاب إلى المدرسة، وأنا ما بيدي حيلة، زوجة أبي ربما ضغطت على والدي، لست أدري،
    ولكن هذا قرارهم وانتهى الأمر.
    - لا تستسلمي ، أخبرهم أنك تحبين إتمام دراستك ، أخبرهم أن أستاذك يتنبأ لك بالذهاب بعيدا في الدراسة
      لا تستسلمي
    انقطعت فرح عن الدراسة وبدأت كل يوم تأخذ خرفانها وتذهب بهم إلى المراعي ، في قريتها الصغيرة عرف الجميع بقصتها
    وما تعرضت له فرح من جراء معاناة زوجة أبيها هذه الزوجة التي لم تراع لا رغبة فرح في إتمام دراستها أوما كانت تعلقه من أماني وآمال على المستقبل ،
    كانت فرح تخرج كل صباح حوالي الساعة الثامنة صباحا وتقضي يومها بين الحقول ولا تعود إلا مساء ، كان من علامات عودتها هو اقتراب غروب الشمس ،
    كانت هذه ساعتها وعلامة ضبط وقتها .
    فرح لم تستسلم لليأس بل تابعت مراجعة دروسها ولو خفية من زوجة أبيها ، كانت حريصة كل مساء على تتبعها لما بدأته من مراجعة وتحصيل ،
    في إحدى الأيام باغثتها زوجة أبيها وجمعت كتبها ودفاترها وأرادت أن ترمي بهم في المزبلة
    إلا أن فرح حالت بينها وبين تنفيذ رغبتها وهي تصرخ في وجهها :
    - ألم يكفيك إخراجي من الدراسة ؟ ألم ترغمينني بدل الذهاب إلى الدراسة أن أذهب إلى الحقول والمراعي مع الخرفان ؟ ألا يكفيك كل هذا ؟
    والآن وبكل وقاحة تريدين أن تلقي بكتبي ودفاتري إلى المزبلة ؟
    رمت زوجة أبيها بالكتب عليها واقتربت منها أكثر، صفعتها صفعتين قويتين وهي تقول لها :
    - لن أكتفي بك راعية الغنم ولكنك ستصبحين خادمة البيت تأتمرين بأوامري ، واربحي بكتبك ، فالأمر لن يغير من الوضع شيئا.
    صباح الغد وكما أصبحت عادة فرح استقظت على صياح الديك وارتدت فستانها الأصفر ، وفرح هذه البنت البريئة لم تكن تملك إلا ثلاث فساتين ،
     ظفرت شعرها الطويل إلى الوراء وابتسمت مع المرآة ، ولاحظت المسكينة أنها كلما ازدادت في السن ازداد جمالها أو هكذا خيل لها ،
    خرجت من المنزل مع خرفانها بعد أن تزودت بالماء وما تحتاجه من الأكل طول النهار وهي تجوب المراعي بحثا عن الكلأ للخرفان .
    كانت فرح عند ذهابها ترى من بعيد صديقاتها وهن متجهات إلى المدرسة ، كانت تسلك طريقا غير الطريق الذي تسلكه صديقاتها ،
    لم تكن تريد أن تلقاهن وحتى وإن تقابلت معهن فقد قررت في نفسها أن لا تكلم أي واحدة منهن ،
     ليس تكبرا منها أو حقدا عليهن ولكن حتى لا تقلب المواجع وتسترجع ذكريات الماضي ،
     في المقابل كانت حريصة أن تلتقي مراد في ذهابها وإيابها حتى تقف معه وتحكي له كل أحداث يومها وبالتالي معرفة ما جد بالمدرسة.
    في أحد اللقاءات أخبرته أنها تنوي التقدم لاجتياز امتحان البكالوريا ورجته أن يمدها بكل جديد
    من دروس وتمارين ونقط رئيسية تساعدها على ما استعصى
    عليها فهمه .
     أجابها أنه لا يرى مانعا عنده وأنه سيعمل على مساعدتها بكل جديد ولن يدخر في ذلك وسعا ، أخبرها أيضا أنها فتاة قوية وعصامية ، وافترقا.
    عادت مساء مع خرفانها وذهبت عند والدها وأخبرته أنها تنوي الترشح لامتحانات البكالوريا وستدرس بالمنزل عند عودتها من الحقول، وافق على رغبتها
    ولكنه بالمقابل أخبرها أن تبقي الأمر سرا ولا تخبر به زوجته، فاجأته بسؤال :
    - أبي لماذا زوجتك تتعامل معي بهذا الجفاء والغلضة ؟
    - لا أعلم يا ابنتي ، اصبري ، فليس لنا حيلة ، كنا قاب قوسن أو أدنى أن نجد أنفسنا بدون عائل او من يصرف علينا ، اضطررت للزواج بها
    حتى أربيكم لأنها هي من تتكفل بالعائلة من الناحية المادية وهي من سددت ديوننا أيضا، اصبري يا ابنتي.
    - أنا لا أستطيع أن أتحملها طويلا ، فوجودها معنا يضايقني
    وكما جرت العادة ففرح كانت تلتقي مراد في نفس الوقت وفي نفس المكان كي ترد إليه كتبه وتأخذ أخرى شاكرة له صنيعه وعمله ،
    بالنسبة له كان ما يقوم به يعتبره جزء من واجبه اتجاه تلميذة كانت معه بالأمس في فصل الدراسة حرمت غصبا من متابعة دراستها ،
     هكذا كان يفكر وهكذا كان يرى الأمر.
    لم تكن فرح تضيع الوقت في كثير من الكلام مع مراد بل كانت تعود بسرعة إلى المنزل ،
     هذه كانت تربيتها وهذه كانت أخلاقها ، وما أن عادت يوما إلى المنزل حتى سمعت زوجة أبيها تناديها :
    - عدت إلى المنزل بالخرفان وخرجت من جديد وها أنت تعودين ، أين تذهبين ؟
    - لم تجب عن السؤال ولكنها أخبرتها أن رأسها يؤلمها وستذهب لتستريح قليلا .
    أغلقت الباب بعنف وقوة وكأنها تجيب زوجة أبيها على ما اعتبرته تدخلا في شؤونها.
    جلست على السرير وهي كلها يقين أن لا أحد سيتجرأ على الدخول عليها ، أخذت كتبها ودفاترها وبدت تنقل ما يجب نقله أو معاينة جديد الدروس ،
    دخل عليها أخوها دون استئذان وتعجب مما تفعله أخته ، صاح فيها :
    - ماذا تفعلين يا مجنونة ؟ أجننت ؟
    - أنا أكتب دروسي ، سأدرس في الخفاء ، بعيدا عن أنظار زوجة أبي ، اصمت أيها الصغير
    - وماذا عن الغنم يا حمقاء ، ستتركينني أعاني وحدي معهم ، أنا لا أستطيع رعيهم وحدي ، أنت تدرسين وأنا أتعب مع الخرفان ،
    لن يكون لك ذلك ، هيا قومي من فراشك وأبعدي هذه الكتب والدفاتر
    - لا لن أفعل وافعل ما بدا لك
    خرج أخوها أحمد وأخبر زوجة أبيه بكل ما دار بينه وبين أخته الشقيقة
    ما أن بلغ إلى علمها ما كانت تقوم به فرح حتى علا صوتها وصراخها ، ماذا تقول ؟ تدرس ،
     ويل لها مني سأجرها من شعرها لأعلمها القراءة والكتابة هذه الحيوان
    دخلت عليها وقالت لها : ماذا تفعلين فوق السرير وما تخبئين تحت الغطاء ؟
    أزاحت الغطاء فوجدت الكتب والدفاتر التي كانت تشتغل عليهم .
    تقولين لي أنك مريضة وإذا بك تقومين بهذه التفاهات
    ردت فرح بقوة :
    - هذه ليست تفاهات إنه العلم والمعرفة
    - العلم والمعرفة ، ما هذا الهراء أيتها اللعينة
    صفعتها على خدها صفعة قوية وبدأت تجرها من شعرها وكأنها تقول لها أنا الآمر والناهي في هذا البيت ،
     كانت تتألم وتصرخ من شدة معاملة زوجة أبيها
    وهي تقول :
    - اتركيني ، اتركيني
    وفي غفلة من زوجة الأب فرت من بين يديها حافية القدمين تجري بكل ما أوتيت من سرعة لأن زوجة أبيها كانت تهددها بالكي بالنار ،
     تخيلت فرح المشهد وأطلقت قدميها إلى الريح
    من دون تفكير قصدت بيت مراد وطلبت منه أن يساعدها ويمد لها يد العون ، لم يكن بإمكانه أن يساعدها فهو في الأول والأخير ما زال تلميذا
     ولا يملك قوت يومه ولا يريد أن يخلق لأبيه مشاكل جانبية مع زوجة أبيها ، قال لها بكل أدب واحترام :
    - اعذريني فرح ، لا أستطيع ، أنا آسف
    وفي لحظة ذهولها وانسداد أفق بيت مراد عرجت على بيوت كل زميلات الدراسة اللواتي قاطعتهن ، ولكن الجواب كان دائما بالرفض ،
    لم يرد الجميع الدخول في مشاكل مع زوجة أبيها ، ولم يكن أي أحد قادر على الدخول في مثل هذه المتاهات التي يجهل فصلها الأخير.
    اضطرت إلى المبيت في اسطبل بيتهم بعيدا عن أعين أبيها وزوجته وأخيها
    في صباح الغد وعند تفقد والدها الخرفان وجدها نائمة في اسطبل تفترش التبن ، حملها بكل حنان وذهب بها إلى المنزل
    كانت زوجته تجلس في وسط البيت وملامح الغضب مسيطرة عليها وهي تقول :
    - إما أنا أو هي في هذا البيت
    الآب : الموضوع لا يستحق كل هذا الغضب ، حرارة البنت عالية ، سأذهب بها إلى المستشفى
    الزوجة : إنها ممثلة كبيرة ، فعلت ما فعلت والآن تعتبرها مظلومة
    استفاقت فرح من نومها وقالت بصوت عالي :
    - أنا لا أطيق هذه المرأة أنا أكرهها
    الأب : ماذا تقولين ؟ تعقلي ، إنها زوجة أبيك وفي مرتبة أمك ، لقد تعديت حدودك
    فرح : أنا لا أطيق العيش معها
    الأب : المنزل منزل الجميع، وسنعيش كلنا تحت سقفه وأعدك أن لا تقترب منك مستقبلا
    تحسنت الأحوال شيئا وعادت فرح إلى خرفانها ولم تعد تهتم بأي أحد سواء من الناس أو من زميلاتها في المدرسة ،
     قاطعت الجميع ولم يعد همها سوى خرفانها،
    كان طعامها كل يوم هو الماء والخبز ، لم يكن لديها أي شئ آخر تتذوقه .
    وفي يوم من الأيام وبينما هي في وقت الظهيرة تأكل ما ألفته مرغمة مر بالقرب منها مدير المدرسة ،
     تفاجأ ، فهو يعرفها غاية المعرفة ، سألها:
    - فرح ماذا تفعلين هنا مع هذه الخرفان وفي هذا الوقت ؟
    نظرت إليه بيأس كبير وهي تتلعثم في الإجابة :
    - أستاذ ، أنا أرعى الخرفان ، لقد انقطعت عن الدراسة مرغمة ، هلا ساعدتني ؟
    المدير : هذا حرام ، سوف أتحدث إلى أبيك ، سأذهب الآن عنده إلى البيت
    ذهبت فرح مع المدير إلى بيتهم ، دق الباب بينما فرح أدخلت الخرفان إلى الإسطبل خوفا من ضياعهم .
    خرجت امرأة أبيها وقالت :
    من تكون أيها السيد ؟
     تفاجأت بوجود فرح بالقرب من الرجل الذي طرق الباب ، صاحت بها :
    من أتى بك في هذا الوقت ؟ المفروض أن تكوني مع الخرفان في المراعي
    المدير : أنا آسف على الإزعاج أولا وثانيا أنا مدير مدرسة فرح التي كانت تدرس بها وثالثا أنا من أتى بفرح 
    رحبت زوجة الأب بالمدير وقالت له : تفضل سيدي ، تفضل
    دخل المدير إلى منزل فرح ، لاحظ بعض الشقوق هنا وهناك ، وجلس في النهاية على أريكة متهالكة
    قالت له زوجة الأب : اجلس في أي مكان تريد
    المدير : سيدتي أين والدها ؟
    الزوجة : ذهب إلى قضاء بعض الأغراض وسيعود بعد قليل ، اسمح لي سأذهب لأحضر لك الشاي
    ذهبت زوجة والدي ونادت علي بصوت خافت :
    - فرح هيا الحقني ، أريدك .
    لما ذهبت عندها قالت لي : لماذا جاء السيد المدير إلى هنا ؟ 
    فرح : هو من أصر على القدوم عند أبي ، لا أعلم لماذا ، صدقيني  
    كان اليوم يوم عيد ميلاد فرح وكانت إحدى صديقاتها موجودة معها ، جاءت هذه الصديقة عندها لتشاركها فرحة يوم عيد ميلادها ، غير أن فرح وفي لحظة
     من اللحظات بدأت تبكي ، رأتها صديقتها وهي على هذه الحالة ، بادرتها بالسؤال :
    - لماذا تبكين يا فرح ؟ ما بك ؟ اليوم عيدك ، كفي عن البكاء
    أجابتها فرح :
    - مجرد إحساس عابر دفعني أن أبكي وأشعر ببعض الضيق ، لا تهتمي حبيبتي ، أعلم أن المناسبة تدعو إلى الفرح والسرور ، معذرة على الإزعاج
    تذكرت طفولتي وما صاحبها من مشاكسة بريئة بيننا وبين أطفال الحي ، كانت أياما جميلة ورائعة ووددت لم خيم علينا ذاك الجو المليئ بالعفوية والصحبة
    الصادقة ، انضاف إليهن بعض الأصدقاء والصديقات واندمج الجميع في الرقص والصخب ، كانت الموسيقى تملأ كل الأجواء والجميع سعيد
    ومشارك فرح فرحة عيد ميلادها ، وفي لحظة من اللحظات بدأت إحدى الصديقات تتقيأ من كثرة شربها مختلف أنواع العصير وأكل الحلويات المتنوعة ،
    ربما لم تكن معتادة على خلط أنواع مختلفة من العصير وأكل الحلويات الكثيرة ، صرخت دلال بكل ما أوتيت من قوة :
    - ألحقوني ، ألحقوني 
    جاء الجميع يستفسر عن حالها وعن أسباب تقيؤها ، تجمع الكل من حولها مستغربين ماذا حصل لها ، بادرت دلال اصطحابها إلى دورة المياه ، بعد أن
    غسلت لها وجهها وانتعشت قليلا قالت لها يجب أن نذهب إلى المنزل لم يعد الجو مناسب لنستمر في السهر
    والإحتفال ، في ذلك الوقت سمعت صوت مراد ينادي :
    - دلال ، دلال أنا سوف أوصلكم إلى البيت
    صعد السيارة ولحقته صديقته صفاء ، دخلت إلى
    السيارة وجلست بالقرب منه ، تساءل في قرار نفسه عن سر مجيئها معهم فأتته الإجابة بسرعة حين أخبرته أنها لا تريد أن تتركه وحيدا ويذهب.
    - سوف أوصل صديقتك دلال ، أين هي الآن ؟ وأين صديقتها فرح ؟ يظهر أنها متعبة وتحتاج إلى المساعدة
    - بدوري أتيت أتفقد أحوالها ولهذا جئت معك
    استدار مراد ينظر إلى فرح وهو صامت ولا يحرك الساكن .
     قالت صديقتها دلال :
    - مرضت المسكينة في  يوم عيد ميلادها ، لقد بالغت في شرب العصير وأكل الحلويات
    عند وصولهم إلى بيت دلال أدخلوها ، وفي لحظة وقوفها وحيدة سقطت على الأرض ، أسرع مراد إلى حملها بين يديه ، لم تعد رجلاها تستطيع حملها ، دمعت
    عينيها وأحس مراد بشئ ساخن يسقط على يديه ، إنها دموع المسكينة التي انهمرت من عينيها في لحظة تذكر ، نظر إليها وفي نفسه حسرة عليها وقال لها
     بصوت خافت :
    - هل أنت بخير ؟
    - هل هذا أنت يامراد ؟
    دلال : أدخلها ، أدخلها
    تبعتهم صفاء
    أدخلوها إلى غرفة النوم وتولت دلال تغطيتها والإهتمام بها ، كانت حالتها تسترعي من دلال الاطمئنان عليها أكثر ، وقبل خروجها من الغرفة أخبرتها أنها
    ستتولى إيقاظها ، مسكت فرح بيدي صديقتها دلال وقالت لها :
    - لا تتركيني وحدي ، ابقي معي ، أنا أريدك أن تبقي معي هذه الليلة ، أنا محتاجة إليك كثيرا
    دلال : استريحي الآن  وحاولي أن تنامي ، النوم سيريحك كثيرا ، نامي واستريحي
    كان هذا الحوار البسيط فرصة جعل من فرح ورغم ما تعانيه من تعب شديد ومرض مفاجئ تقول لدلال :
    ـ أتذكرين طفولتي التي تكلمت لك عنها وحكيت لك فصولها ؟
    دلال : نعم ، أذكر ذلك بكل التفاصيل ، أما الآن فنامي ونؤجل الكلام عن الماضي وذكريات الطفولة إلى فرصة قادمة ، صحتك وحالتك
    اليوم لا تسمح لك بذلك ، استريحي الآن
    أما فرح فكلام صديقتها دلال لم يكن يصل إلى مسامعها ، كانت تتكلم ولا تنتظر من يسمعها ، كانت تريد أن تتكلم وتحكي ، هذا ما كانت تريده
    كانت في الواقع وكأنها في مونولوج داخلي يجري على فمها :
    المدير : أين والدك ؟ أريد التحدث إليه
    فرح : سوف يأتي بعد قليل
     الوالد : أخبر ك سيدي المدير ، أنا للأسف مغلوب على أمري ، ولا داعي للمزيد من الشرح حول هذا الموضوع ، المهم أن زوجتي هي من تقرر في
    حياتي ومصير أسرتي ، هي من تملك مقاليد الأمور، هي الآمر والناهي ، اعذرني أن أخبرك بهذا ، فليس باليد حيلة.
    المدير : وهل تخاف منها إلى هذه الدرجة ؟ وتقرر في مصير ابنتك ؟ وتمنعها من إتمام دراستها خاصة وأنها الأولى على الجهة ؟
    قالت فرح وكأنها تفتخر بأخيها وبهوايته المفضلة :
    - أخي يريد أن يصبح لاعب كرة قدم مشهور في أحد نوادي المدينة ، موهبته لا تناقش وذلك بشهادة الجميع
    الوالد : ومن يا ترى سيهتم برعاية الخرفان ؟ أخوك سيذهب إلى التداريب...
    في مكان ما من البلاد :                                                                                                           
    كانت فرح ومن فرط إعجابها بالعندليب الأسمر - عبد الحليم حافظ - تغني أغنيته المشهورة :
    أهواك وأتمنى لو أنساك
    وأنســـى روحـــي ويــاك
    في ذلك الوقت كان أخوها يلعب الكرة مع أطفال الحي ، مرت من أمامه وقالت له :
    - أخي عندما تنتهي ادخل بسرعة إلى البيت ، يجب أن نذهب جميعا عند السيد المدير ، لقد اتفق معنا أن نزوره اليوم ، وكان اتفاقه مع أبي أنه
    سيسمح لي أن أعود إلى المدرسة ، وفي المقابل ستتولى أنت رعاية الخرفان والاهتمام بهم وبالتالي سيتولى السيد المدير إدخالك إلى فريق الكرة.
    محمد : اصمتي من فضلك ، لماذا كل هذا الكلام أمام أصدقائي ؟ لا تفضحيني
    فرح : هذا لا يهمني ، المهم بالنسبة لي أن تأتي بسرعة لنذهب عند المدير ، هذا هو المهم ، أتفهم ؟
    محمد : هيا اذهبي ، ولا تكثرين من الكلام ، دعني أتدرب وأحسن من مستواي الكروي لألتحق بالفريق ، سأتبعك لاحقا.
    عادت فرح إلى المنزل وبدأت تستعد للذهاب عند مدير المدرسة ، كانت كل ملابسها بالية وحذاء مطاطي مع جوارب ، وضعت كتبها في المحفظة
    وذهبت إلى المدرسة ، رحب بها كل من كان في المدرسة وابتدأت يومها بحصة اللغة العربية ، طلب منهم الأستاذ يومه أن يكتبوا موضوعا يحكون فيه
    عن حدث وقع لهم في صباهم
    رفعت أصبعها وقالت للأستاذ :
    - أستاذي أنا سأكتب عن حادث وقع لأمي مع أبي وأتمنى أن أوفق في الوصف والسرد :
    وكان موضوعها كالتالي : دخلت في يوم من الأيام إلى البيت فوجدت أمي المسكينة ملقاة على الأرض وأبي يصرخ بكل قواه :
    - لقد ابتليت بك أيتها البلهاء ، ما ذنبي أنا ؟ يا قبيحة المحيى والوجه أنا لا أحبك ، خذي حتى أطفالك معك ، أنا لا أريدهم أيضا
    أسرعت بعفوية طفولتي عند أمي أسألها :
    - ماذا حصل لك ؟ وما هذه الحالة التي أنت عليها ؟ ومن فعل بك هذا ؟
    في تلك اللحظة طرقت امرأة الباب وأخبرتني أن أمي اكتشفت أن أبي كان يخونها مع إحدى جاراتنا ، ولما صارحته المسكينة بالخبر ضربها وطردها ،
     هذا كل ما في الأمروهذا هو سبب الحالة التي عليها أمك يا ابنتي.
    حين كانت فرح تكتب كانت تنتابها لحظات من البكاء ، كانت تبكي في صمت وهدوء ، اقترب منها الأستاذ وقرأ ما خططته أناملها الصغيرة التي
     كانت ترتعد وترتعش ، كانت للأسف تكتب وتعيش تلك الحظات الحزينة في أعماقها والتي تركت بصمات لن تنسى وجرحا لن يندمل ، قال لها الأستاذ :
    - لا تبكي يا ابنتي ، أمك ستعود إليك
    نظرت إليه بعيونها البريئة التي كلها دموع ويأس :
    - أخبرني أبي أنها ماتت ، وهل من يموت يمكنه أن يعود يا أستاذ ؟ أجبني من فضلك فعقلي لا يستوعب هذا ؟
    الأستاذ : ابنتي ، لا تصدقي ما قاله لك أبوك ، ارتاحي فأمك ما زالت على قيد الحياة ، تعالج في المستشفى ، اعطيني الورقة وانهضي واكتبي شرح كلمات
    موضوعك على السبورة.
    ما زلت أذكر وكأني أعيش تلك اللحظات في الوقت الراهن ، نهضت  من مقعدي حين طلب مني الأستاذ أن أكتب شرح كلمات الموضوع ، تعثرت
    في مشيتي ، وتمزق حذائي المطاطي ، أحسست بنظرات الجميع وكأني أصبح مركز الدنيا ، ضايقني ذلك وأحرجت كثيرا ، أحسست بنظرات الإحتقار ،
    قالت إحداهن :
    - المسكينة لا تملك حتى حذاء
    جئت إليها وصفعتها على خدها وجررتها من شعرها وكأننا وحدنا في مكان محايد موجهة لها هذا الكلام :
    - وأنت التي تملكين كل شئ ، هل تملكين عقلا يفكر ويقرأ كباقي الناس ؟
    جاء الأستاذ وتدخل بيننا ، خرجت البنت مسرعة من قاعة الدرس وكأنها لم تصدق ما وقع لها  ، اتجهت إلى إدارة المدرسة واشتكت إلى الحارس العام ،
     جاء هذا الأخير ونادى علي وصفعني بدون مقدمات قائلا لي :
    - هل تحسبين نفسك في الغابة ، وأن الدنيا لا رقيب لها ولا محاسب ؟
    بدأت أبكي وأقول له : هي التي آذتني الأولى وهي من احتقرتني ، الكل سيشهد لك بهذا
    جرني من ذراعي وذهبنا إلى إدارة المدرسة وهددني قائلا :
    - سنخبر أبوك بما وقع
    - أرجوكم ، لا تخبروا أبي بما وقع ، لقد سمح لي المدير اليوم بالعودة إلى المدرسة ، ولا أريد أن يمنعني أبي من جديد من العودة إلى المدرسة
    لم يبق لي سوى عام وأذهب إلى الجامعة
    - إذا من مصلحتك أن تطلبي السماح من زميلتك
    - لماذا أطلب منها السماح وهي من أهانتني ؟
    - إذا نحن مضطرين أن نطلب قدوم ولي أمرك
    - لا ، حسنا سوف نتصالح
    عندما أرادت فرح أن تتصالح مع زميلتها استدارت ولم تصافحها وذهبت وبقيت فرح واقفة تبكي ، أحست أنها جرحت في كبريائها ، ولكن هذا إحساس
     يمكن نسيانه إذا ما قورن ببقائها في الدراسة



    repair tv
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الشعر والروايات .

    إرسال تعليق